مختصر من محاضرات للشيخ محمد صالح المنجد
أنواع الدور التي يمر بها الإنسان
اقتضت حكمة الله تعالى أن جعل لنفوس الخلق أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها :
الدار الأولى : في بطن الأم (الظلمات الثلاث).
الدار الثانية : الدنيا التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة والشقاوة.
الدار الثالثة : البرزخ، وهي أوسع وأعظم وأطول.
الدار الرابعة : دار القرار إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ولا دار بعد ذلك.
وقد جرت سنة الله تعالى أن ينقل خلقه طبقًا بعد طبق، حتى يبلغهم الدار الأخيرة التي لا دار بعدها: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» [الشورى: 7]، ولكل نفس في كل دار حكم وشأن، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام.
أهمية معرفة حياة البرزخ
الحديث عن البرزخ هو حديثعن كل ما يتعلق بالموت وما بعده إلى قيام الساعة، هذه حياة طويلة فيها أحداث عظام، وفيها أشياء جسام ينبغي أن نتعرف عليها.
المقصود بالبرزخ
البرزخ في كلام العرب هو : الحاجز والحد بين الشيئين، قال تعالى : «وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا» [الفرقان: 53] أي: حاجزًا.
والبرزخ في موضوعنا هو : الدار التي تعقب الموت إلى البعث، وهو يبدأ بالموت.
الأدلة على حياة البرزخ
قال تعالى: «وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [المؤمنون: 100].
قال أبو صالح وغيره من المفسرين: «وَمِن وَرَائِهِم» يعني: أمامهم.
وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة.
وقيل: البرزخ المقابر، لا هم في الدنيا ولا في الآخرة، فهم مقيمون ينتظرون : «أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» [النحل: 21]. [تفسير القرآن العظيم: 5/494].
إن قوله تعالى: «وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ» [المؤمنون: 100] تهديد لهؤلاء المحتضرين الظلمة بعذاب البرزخ؛ كما قال: «مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ» [الجاثية: 10]، «وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ» [إبراهيم: 17]، أمامهم سيقدمون عليه.
المقصود بالموت
الموت : هو ضد الحياة، ويطلق في لغة العرب على “السكون”، وكل ما سكن فقد مات.
الحياة الإنسانية تتعلق بالروح عندما تنفخ في الجنين وهو في جسد أمه، والموت هو مفارقة الروح للبدن، وهذه تترتب عليها أحكام من وجوب الغسل، والتكفين، والصلاة، والدفن، وقسم الميراث، وعدة الزوجة.. .
متى يكون رفع أجهزة الإنعاش عن المحتضر ؟
إذا تيقن الأطباء من موته، وللموت علامات : كانقطاع النفس، ودقات القلب، والبرودة، واليبوسة، وارتخاء الفك، والمفاصل، وجحوض العينين، وشخوص البصر، فإذا تيقن بالموت بدأت أحكام الموت.
النوم شبيه الموتقال تعالى : «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ » [الأنعام: 60]، ولذلك يسمي العلماء النوم : الوفاة الصغرى، فالنوم وفاة، والقيام من النوم: بعث ونشور، وهذا معنى الآية: «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ».
قال ابن كثير رحمه الله : إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر؛ كما قال الله تعالى : «إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ» [آل عمران : 55]، [تفسير القرآن العظيم : 3/266].
في بعض التفاسير : منيمك ورافعك إلي، يرفعه وهو نائم. [ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن: 6/455]
فإن روح عيسى لم تخرج من جسده بعد، وسينزل ليموت في الأرض بعد حين، ويصلي عليه المسلمون.
القيامة الصغرى : هي الموت، فمن مات قامت قيامته، وحان حينه أما التوفية الكاملة فيوم القيامة .
دار الجزاء الأول : هي القبر والبرزخ، وفي البرزخ يوجد جزاء وتنعيم وتعذيب، والموت وما بعده برزخ بين الدنيا والآخرة.
وفي هذه القيامة يكون العبد وحده، عندها يقال له: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» [الأنعام: 94]، وفيها يقال له: «كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» [الإسراء: 14].
أنواع الساعات :
1- الساعة الكبرى : بعث الناس للمحاسبة.
2- الساعة الوسطى : موت أهل القرن الواحد.
3- الساعة الصغرى : موت الإنسان الواحد، فساعة كل إنسان موته.
حتمية الموت على كل المخلوقات
الموت حتم لازم، لا مناص منه لأهل السماوات والأرض (حتى الملائكة) إلا من شاء الله، قال الله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [القصص: 88]، «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ» [الرحمن: 26]، «كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران: 185]
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ» [الزمر: 68]
كان من دعاء النبي ﷺ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بعِزَّتِكَ – لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ – أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ . [رواه البخاري: 7383]
ينادي الله سبحانه : «لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» [غافر: 16]؟ فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق كلهم ماتوا، فيجيب نفسه سبحانه : «لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» [غافر: 16].
– (إلا ما شاء الله) قيل : الحور العين، والولدان المخلدون في الجنة، لا يموتون بنفخة الموت، نفخة الصعق.
والموت أجله محددجرى بذلك القلم في اللوح المحفوظ، وكتبته الملائكة الكرام، والمرء في بطن أمه كُتب أجله، فلا يتأخر، ولا يتقدم، سواء مات حتف أنفه، أو غرق، أو احترق، أو أكله سبع، أو قتل بيد عدو، ونحو ذلك من الأسباب، قال تعالى : «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً» [آل عمران: 144]، «إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ» [يونس: 49].
«أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ» [النساء: 78].
عمر الإنسان محدد
قال رسول الله ﷺ : كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. [رواه مسلم: 6919].
حكم الدعاء بطول العمر
– هذا الدعاء لا أثر له، فالعمر مكتوب ومُقدَّر، سواء دعوت بطوله أو لا، كما أن الداعي بطول العمر لا يدرى هل في طوله خير له أو شر عليه وعلى الناس.
– لا بأس بالدعاء بطول العمر مقيدًا، قال النبي ﷺ لأنس : اللهمَّ أكثرْ مالهُ و ولَدَهُ ، و أَطِلْ حَياتَهُ و اغفرْ لهُ. [صحيح الأدب المفرد : 653].
كيف يكون العمر مكتوبًا وهناك أعمال تطول العمر ؟قال تعالى : {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]
وقال ﷺ : مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ (يعني: يُطوِّلُ اللهُ في عُمرِه)، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. [البخاري: 5985، ومسلم: 6688].
الراجح أن الزيادة حقيقية في الأجل المكتوب في صحف الملائكة، وليست الزيادة للأجل المكتوب في اللوح المحفوظ.
هل يمكن أن يموت إنسان قبل أجله ؟وقال تعالى : {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. [الأعراف: 34]
قال النبي ﷺ : كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.. . [رواه مسلم: 6919]
قال ابن تيمية رحمه الله : المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل موته، ولا يتأخر أحد عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر، فإن أجل الشيء هو نهاية عمره، وعمره مدة بقائه.. . [مجموع الفتاوى: 8/516]
والله يعلم ما كان قبل أن يكون وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالمرض أو الهدم أو الغرق أو السم أو السيف أو غير ذلك من الأسباب، فالعمر ينتهي بسبب الموت، ويموت الإنسان بعد انتهاء عمره كاملًا.
وقت الموت من الأمور الغيبية
وقت الموت بالنسبة لنا مجهول، وهو من الغيب الذي لم يطلعنا الله عليه: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59]، وقال : {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26]، وقال : { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65].
وجوب الإيمان بالموت وما بعده
الإيمان بالموت شعبة من شعب الإيمان باليوم الآخر، وقد قال النبي ﷺ : لا يؤمِنُ عبدٌ ، حتَّى يُؤْمِنَ بأربعٍ : يشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللَّهِ ؛ بعثَني بالحقِّ ويؤمنُ بالموتِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ ويؤمِنُ بالقدَرِ. [أخرجه الترمذي (2145) وصححه الألباني].
الموت نقص وضعف
الله سبحانه هو الحي القيوم الذي لا يموت، وكل شيء يموت فهو ضعيف، قال تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ}. [الرحمن 26 – 27]
الاستعداد للموتوعن البراء رضي الله عنه قال: كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازةٍ، فجلسَ على شَفيرِ القبرِ، فبَكَى، حتَّى بلَّ الثَّرى، ثمَّ قالَ: يا إِخواني لمثلِ هذا فأعِدُّوا. [أخرجه ابن ماجه (4195) بلفظه، وأحمد (18601)، وحسنه الألباني]
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، علِّمْني وأوجِزْ، قال : إذا قُمْتَ في صلاتِكَ، فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ. [صحيح ابن ماجة : 3381 ]
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخَذَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
وكانَ ابنُ عُمَرَ يقولُ: إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. [رواه البخاري : 6416 ]
قال النبي ﷺ : أكثروا ذكرَ هاذمِ اللَّذاتِ : الموتِ ؛ فإنَّه لَم يذْكُرْه أحدٌ في ضيقٍ مِن العَيشِ إلَّا وسَّعَه علَيهِ ، و لا ذَكرَه في سَعةٍ إلَّا ضيَّقَها عليهِ. [صحيح الجامع 1211]
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يجمع العلماء، فيتذاكرون الموت، والدار الآخرة، فيبكون كأن بين أيديهم جنازة. [التذكرة، ص: 8]
ما يبقى بعد موت الميت
قال النبي ﷺ : يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ. [رواه البخاري: 134، ومسلم: 7613].
وقال النبي ﷺ : إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له. [مسلم : 1631 ]